لم تعن لي الحضارة ولا العالم يوماً ما أي شئ.
لا أعرف متى فقدت قدرتي على الانبهار، أعرف أن هذا حدث من زمن طويل، في العاشرة؟ ربما، مدهش .. هذا يثير انبهاري الآن: طفل يفقد قدرته على الانبهار في العاشرة، لذلك أحب آربي.
في أثناء بحثي السرمدي عن اللحظة التي أعيد فيها اكتشاف الانبهار، تغافلت عن الحياة، نسيت أن أعيشها.
والانبهار هو اللحظة، والانبهارات الكثيرة هي اللحظات التي لا يشكل مجموعها أي حياة، تبقى لحظات مجمعة، ومتنافرة.
أنتي كنتي هذا الاستثناء، حياة مبهرة، قابلة للاستمرار، والتحول إلى شئ ما .. إلى سلسلة متواصلة من اللحظات المترابطة.
كنت أعمد إلى إبطاء رتم العلاقة كثيراً في لحظات معينة، لأن الحياة دائماً تنتصر على اللحظة. ولم أرد أن تنتصر الحياة علينا، لا بل أن نكون نحن الحياة.
أكتب هذا لنفسي، نفسي التي لهثت كثيراً وراءك، بشتى الطرق، التي أدت كلها لنتيجة واحدة.
أكتب هذا لنفسي التي لهثت وراءك كثيراً لهاث الجائع إلى طبق الفريك في بلاد لم تكتشف النار بعد، ولا الطماطم.
أكتبه إلى، وإلى ظمأي المتواصل إلى الراحة، التي أعرف أنني لن أجدها في نفسي، ولن تحتمل الحياة بدونها.
أكتب إلى الآن وأنا لا أعرف ما هي الراحة التي أحتاجها .. ما نوعها؟ من يملكها؟ هل هي كما تخيلت؟ أم أن علي أن أجد شيئاً ما اخر ..
أكتب لنفسي بعد أن قبلت يد أمي في محطة القطار، هي ستذهب إلى المزيد من الجنوب، بينما أنا لا أعرف أين أكون.
أكتب لنفسي التي بعثت كثيراً وراءك، ولن تمل
عندما يسود الكذب ويملأ كل شيء، هل يصبح هو الحقيقة؟
ردحذففي كل المرات السابقة، عندما كنت أقرر الانسحاب من كل شيء، وأفكر أن هذه الحياة لا تشبه ما أحلم به، وأنه على الأغلب حدث خطأ في صدفةٍ ما، فوقع قلبي في حبك وربما لست أنت من يُفترض أن يكون صاحب روحي، كنت أفكر في صفتك المميزة التي لا يمكن الاستعاضة عنها، وأنها ربما لا توجد في أيّ من رجال العالم سواك، وأني سأندم إن ضيعتك؛ هي حنانك، أقصد تحديدًا حنانك عليّ، عدم هواني عليك، محاولاتك استرضائي -حتى ولو كنت المخطئة-، تلك الفترة المنقضية من ذلك السؤال اليومي الحنون (راضية عني؟). دلائل أن الحب ثابت وحقيقي لا تشوبه شائبة مهما كان حجم المشاكل؛ فهي مجرد زوبعة ستمر، عكس قناعاتي عن الحب قبل أن ألقاك.
نعم، كنت أفكر أني سأفقد نفسك التي لهثت مرارًا ورائي، كما لم يفعل أحد في كل حياتي، فلطالما كنت غير موجودة وكنت الطرف اللاهث اللامرئي نحو اللاشيء واللاأحد..
أتذكر كلمة أوصتني بها أمي في مرة أذاها أبي، كانت تبكي: "خدي واحد متهونيش عليه"، كانت تلك صفتك المميزة في كل وقت مضى...
لا أدري ما حدث الآن. ربما شعرت بالملل، ربما كان حنانك فعل ذو نهاية مثل الوعود، أو ربما الحب لم يكن حقيقي وإنما كان مجرد حماس البدايات.
قد مضى أسبوعين كاملين، يتخللهم ما سمّوه عيد؟ الثامن أظن منذ عرفتك ؟ من السواد. مضى كل هذا الوقت منذ أن أخبرتك أنه لم يكن السبب هو السبب، فبرغم السبب قد قضيت يومي أطهو لك خمسة طواجن، وأنتظر بشوق وصولك وتذوقك، ثم محاولة اصلاح خيالية بسيطة (قبلة يد ربما) ووعدك المعتاد بانتهاء كل الحزن وإصلاح كل شيء بشكل يفوق قدرتي على الخيال. أخبرتك منذ اللحظة الأولى أنه ليس كذلك، بل تجاهلك لحزني هو سبب حزني، وتذكرك بأن تكتب لي في تمام الثامنة والربع، وقت انتهاء عملك ربما. أخاف كثيرًا أن تنتهي صفتك المميزة، وأن تكون مثل سائر الرجال. أعتقد أن مجرد ذكر كلمة زواج تسبب في كل هذا؟ للمرة الأولى تتعامل مع حزني بهذه الطريقة، لأول مرة تبدأ كلامك وتنهيه (أنا مش غلطان).. رغم أن رد فعلي لم يكن سلبي، إنما كان صدمة، من وعدك في الليلة السابقة بأن ما سيحدث سيفوق خيالي واسترضائي، وخيالاتي التي صنعتها عن تلك اللحظة، لكن يبدو كأن ذكر كلمة زواج جعلك تتصرف كالأزواج، كما يفعل الأزواج بزوجاتهم فقط بعد أن يقبلوا الزواج منهم.
اممم لقد سافرت؟ في هذا الوقت؟ بعد أن سألتك هل سافرت؟ ربما قبل وكنت قد كذبت علي؟ سافرت إلى بلد بعيد؟ لا يهم. فأنت تعرف كل طرق الوصول الوهمية إلي.. يبدو أنك انشغلت كثيرًا حتى عن تلك الطرق؟ على كل لست ألومك..
ألوم نفسي فقط إن أجبت استغاثاتك من الوحدة حين تعود -غدًا ربما؟ وتتذكرني.
...
الآن مر أسبوعين كاملين، أربعة عشر يومًا منذ تلك اللحظة.
مروا، العالم يبدو كبحر لا يحتضن، لكني في هذا الوقت دونًا عن أي وقت مضى، أظنني بإمكاني خوضه ، الاعتياد هو ٩٥% من الأمر.
في هذه المدة، هامت نفسي على وجهها في صقيع وحدة قارسة، حتى أحرقها الحنين ، بكل محتوياتها، بكل الحب الذي حملته لك فيها.
في هذه المدة، حاولت أن أذرف دمعة واحدة، كما اعتدت أن أمطر دموعًا في الأوقات الماضية، أو أن أنتحب في صمت، لكني لم أستطيع. لقد نكثت ذلك العهد، الذي سألتك أن تقطعه سبع مرات في سبع ليالي، إن كنت قد صدقت خفقة قلبي، عندما لامس قلبك، عندما كان وزنك كالريشة، نكثته بما أحال تلك الريشة إلى أطنان من الإعياء، تجثم على صدري كل الوقت ،في هيئتك.
على كل حال، لا بأس. لست أتعجل الحقيقة كثيرًا، أنا أعرف أني لن ألقاها الآن، طوال طريقي إلى نفسي التي فقدتها في سبيلك، لأن الإنسان يكذب على نفسه، ويختلق أوهامه ويصدقها.